الشيخ محمد النهاوندي

171

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

جَنَّاتٌ كثيرة الأشجار تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ حال كونكم خالِدِينَ ومقيمين فِيها أبدا ، لا تخرجون منها طرفة عين ذلِكَ الثواب العظيم الذي أعدّه اللّه لكم هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والنّيل بأعلى المطالب وأقصى المقاصد . [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 13 ] يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ( 13 ) ثمّ أنّه تعالى بعد بيان حسن حال المؤمنين المخلصين ، بيّن سوء حال المنافقين بقوله : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لمّا رأو أنفسهم في ظلمة لا يمكنهم المشي فيها ، ورأوا المؤمنين تتلألأ وجوههم نورا يمشون بنورهم كالبرق الخاطف لِلَّذِينَ آمَنُوا عن صميم القلب : يا أيّها المؤمنون انْظُرُونا واستقبلونا بوجوهكم ، أو انتظرونا نَقْتَبِسْ ونستضيء مِنْ نُورِكُمْ ونمشي فيه معكم قِيلَ تخييبا « 1 » لهم وتهكّما بهم من جهة المؤمنين : أو الملائكة أيّها المنافقون والمنافقات ، ليس لكم من النور الذي حصّلناه في الدنيا بالايمان الخالص والأعمال الحسنة حظّ ونصيب ، فإن أردتم النور ارْجِعُوا إلى الدنيا التي خلّفتموها وَراءَكُمْ إن أمكنكم الرجوع إليها فَالْتَمِسُوا وحصّلوا لأنفسكم بالايمان الخالص والعلم والمعرفة نُوراً كنورنا تمشونا فيه . قيل : إنّ الناس يكونون في ظلمة شديدة ، ثمّ المؤمنون يعطون الأنوار ، فإذا أسرع المؤمن في الذّهاب ، قال المنافقون : انظرونا نقتبس من نوركم . فيقال لهم : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا . وهي خدعة خدع بها المنافقون . كما قال اللّه تعالى : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ « 2 » فيرجعون إلى المكان الذي قسّم فيه النور ، فلا يجدون شيئا فينظرون إليهم « 3 » . فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ وبين المؤمنون بِسُورٍ وحائط عريض مرتفع ، كسور البلد لَهُ بابٌ يدخل فيه المؤمنون ، وداخل ذلك السّور الذي يلي المؤمنين و باطِنُهُ وجوّه « 4 » فِيهِ الرَّحْمَةُ الإلهية ، وهي الجنّة وَظاهِرُهُ وخارجه الذي يلي المنافقين مِنْ قِبَلِهِ يأتيهم الْعَذابُ وحاصله : أنّ بين الجنّة والنار سورا وحائطا ، قيل : هو حجاب الأعراف ، له باب يدخل المؤمنون من ذلك الباب الجنة ،

--> ( 1 ) . في النسخة : تجنيتا . ( 2 ) . النساء : 4 / 142 . ( 3 ) . تفسير الرازي 29 : 235 ، تفسير روح البيان 9 : 361 . ( 4 ) . جوّ كلّ شيء : باطنه وداخله .